من أهم الموضوعات التي تطرَّق إليها القرآنُ الكريمُ، وتحدَّث عنها حديثًا مستفيضًا موضوع النفس الإنسانيةِ؛ فقد تحدث القرآن عنها بدقةٍ عجيبة، ولا غرابةَ في ذلك: {أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}.. ولأهمية الأمر بالنسبة للمسلم، فقد أمره الله أن يتبصر في أحوال النفس، فقال تعالى: {وَفِي أَنفُسِكُمْ أَفَلا تُبْصِرُونَ}، وقال تعالى: {سَنُرِيهِمْ آيَاتِنَا فِي الآفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ}.. واهتمام القرآن بالنفس لأنها هي أساس التغيير، ومحور الانتقال من حال إلى حال.. قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ}.. ولذلك كانت تزكية النفس وإصلاحها من ألزم الواجبات، وأهم الضرورات، فبتزكيتها يكون الصلاح والفلاح، وسعادة الدنيا والآخرة، وبإهمال التزكية تكون الخيبة والخسارة والهلاك، قال تعالى: {وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا} وقال تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى * وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى}.. ويتبين للمتأمل أن أعظم مهمة للرسل هي تزكية النفوس، كما في دعاء إبراهيم عليه السلام: {رَبَّنَا وَابْعَثْ فِيهِمْ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكِّيهِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ}، وهناك ثلاث آيات أخرى تؤكد نفس المعنى في سور البقرة وآل عمران والجمعة.. كما تحدَّث القرآن عن أنواع النفس وأحوالها، ومن ذلك النفس اللوامة التي أقسم الله بها في مُحْكَم تنزيله، حيث قال سبحانه: {لا أُقْسِمُ بِيَوْمِ الْقِيَامَةِ * وَلا أُقْسِمُ بِالنَّفْسِ اللَّوَّامَةِ}.. فما هي النفس اللوامة وما حقيقتها؟.. النفس اللوامة هي نفس المؤمن التقي، كما قال الحسن البصري: "إن المؤمن لا تراه إلا يلوم نفسَه دائمًا، يقول: ما أردت بكلمتي؟ ما أردت بأكلتي؟.. ما أردت بقولي؟.. لِمَ فعلت هذا؟.. ألم يكن هذا أَوْلَى من هذا؟". فهي نفس أبية كريمة، تلوم صاحبها على الخير والشر معًا، تلومه على الخير لماذا لم يكثر منه ولم لم يحرص عليه، وتلوم صاحبها على الشر والمعاصي: لماذا فعله؟ ولماذا تمادا فيه، ولم يقلع عنه بتوبة نصوحٍ صادقة؟.. وهذه النفس الكريمة التي أقسم الله بها تتزكى عن طريق المجاهدة، وعن طريق المحاسبة والمراقبة، فيعود صاحبها إلى الطاعة والخير بالتوبة والذكر والاستعاذة وغير ذلك من الأعمال الصالحة.. فحينما يذكر الإنسان ربه جل وعلا، ويستغفره، ويلوم نفسه ويحاسبها، يرق قلبه وتصفو نفسه وتعلو همته، وينصلح حاله بإذن الله.. فالنفس اللوامة نفسٌ متيقظةٌ، نفسٌ تقيةٌ خائفةٌ متوجسة، تندم كلما ارتكبت معصية من المعاصي، وتلوم نفسها وتعاتبها، إنها نفس كريمةٌ تبرز فيها قوة الضمير الحي، الذي يحاسب نفسهُ أولاً بأول.. مما يحول بين العبد وبين التمادي في الذنوب، إنها سوطٌ قويٌ يردع الإنسان ألا يلج في أوحال الشهوات، إنها جرسٌ ذاتيٌ ينبههُ ألا يقترب من حمى الشبهات والمحرمات، إنها سبيلٌ جميلٌ للوصول إلى النفس المطمئنة التي لا فوز ولا نجاة إلا بها.. وفي هذا السياق يأتي قول الله تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ}.. فهذه الآية العظيمة تعد أصلاً في باب محاسبة النفس ومعاتبتها، بل وتدل على وجوب محاسبة النفس ولومها على تقصيرها وإهمالها، وعلى وجوب تذكيرها بيوم القيامة، والاستعداد للوقوف بين يدي ملك الملوك جلَّ جلاله.. والقرآن العظيم ينبهنا أن هذا اليوم قريب، ومن قربه كأنه غداً: {وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ}، فـ "يوم غدٍ" قريب، ويوم القيامة آتٍ لا ريب فيه، والعبد سيقف بين يدي الله ولا بد، وسيحاسبه الله، وسيسأله عن كل ما قدم في هذه الحياة.. {وَوُضِعَ الْكِتَابُ فَتَرَى الْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يَاوَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا وَوَجَدُوا مَا عَمِلُوا حَاضِرًا وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَدًا}.. ولذا فإن من المهم جداً لكل إنسانٍ أن يحاسبَ نفسهُ في الدنيا قبل أن يحاسبَ في الآخرة، وأن يزنَ أعمالهُ هنا قبل أن توزنَ هناك، وأن يتهيأ للعرض الأكبرِ على الله جل وعلا.. فكم هي نصيحةٌ مباركةٌ تلك التي كررها الفاروق عمر رضي الله عنه: "حاسبوا أنفسكم قبل أن تحاسَبوا، وزنوها قبل أن تُوزَنوا، وتهيأوا للعرض الأكبر على الله"، {يَوْمَئِذٍ تُعْرَضُونَ لَا تَخْفَى مِنْكُمْ خَافِيَةٌ}.. ألا ما أحوجنا جميعاً إلى العناية بمحاسبة النفس ومراجعتها، فقليلٌ جداً من يقفُ مع نفسه محاسباً معاتباً، يلومها على تقصيرها وتفريطها، وبذلك يرتقي بها حتى تبلغ بإذن الله درجة الأتقياء، ومنزلة الصادقين الأنقياء.. كما قال ميمون بن مهران رحمه الله: "لا يكون العبد تقياً حتى يكون محاسباً لنفسه أشدّ من محاسبة الشريك الشحيح لشريكه"، أي أنه يلومها ويعاتبها وينظر في أحوالها وأعمالها، فإن كان ثمة تقصيرٌ تمم وكمل، وإن كان ثمة معصية تابَ وأنابَ وتحلل، وإن كان وفق لطاعةٍ حمد الله وداوم عليها وحسّن.. فحقيقة الأمر أن محاسبة النفس تقود الإنسان إلى كل خير وفلاح ورفعة، وأما إهمالها والاسترسال مع شهواتها وعدم منعها من أهوائها فيوقع العبد في الغفلة والهلكة.. والله جل وعلا يقول: {وَأَمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى * فَإِنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى}.. فالجنة لا بد لها من نهي للنفس عن هواها، ومنعها من نزواتها وأطماعها وشهواتها، وأخذها بزمام الحق والفضيلة، والطاعة والاتباع، ولزوم شرع الله تبارك وتعالى، ومجاهدتها على فعل الطاعة والبعد عن المعصية، كما قال نبينا عليه الصلاة والسلام: "المجاهد من جاهد نفسه على طاعة الله". وفي القرآن الكريم يقول الله جل وعلا: {وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ}.. فليحرص كل مؤمن على تزكية نفسه وتطهيرها، وذلك بمحاسبتها ومجاهدتها، والاستعانة بالله تعالى، وتذكر الموت والآخرة، واختيار الرفقة الصالحة، وقراءة سير الصالحين، حتى تكون نفسه بإذن الله نفساً لوامة، تتطلع إلى الكمال، ثم لأن تكون نفساً راضية مطمئنة، فذلك هو الفوز العظيم والنجاة في يوم لا ينفع فيه مال ولا بنون إلا من أتي الله بقلب سليم.. اللهم اجعلنا من أهل القرآن، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار يا رحمن، اللهم بارِكْ لنا في القرآن العظيم، وانفعنا بما فيه من الآيات والذكر الحكيم.
مشاهدة جميع مواضيع محمود الاسكندرانى